الأربعاء, 23 أيار 2012 2. رجب 1433

فارما جو - محمد محيسن
يبدو أن سياسات الحكومات المتعاقبة تصر على أن غلاوة المواطن الأردني لا تكمن في شخصه، بل في
الحياة التي يعيشها، فعملت على تحقيق شعار «الغالي للغالي»، وأصرت على تطبيقه.
وانسجاما مع هذا الشعار، قررت الحكومات وضع نقلة نوعية في حياة المواطن؛ لتكتشف أن الخصخصة تمكنها من إحداث نقلة نوعية في حياته، وبالتالي الانتقال التدريجي بحياة المواطن من الرخيص إلى الغالي.
ومن شدة غلاوة المواطن الأردني على حكومته، دفعته دفعا للبحث عن مستشفى خاص للعلاج بأغلى الأسعار، فيالوقت الذي تركت فيه أطباء الصحة في مواجهة مباشرة مع المواطن دون أن تعطيهم حقا ولا باطلا.
فهي من جهة تقر للطبيب بحقوقه، بحجة أن هذا القطاع عزيز وغالٍ على الدولة، ولكنها تُعَرِّيه وتقلص الخدمات الطبية على المراجع، وليذهب الطبيب والمواطن إلى القطاع الخاص، وذلك فيما يبدو تحقيقا لرغبة غير معلنة، منها أن يتوجه المواطن طائعا إلى المكان الغالي.
ولفرط حبها المواطن الغالي، فقد تركت الحبل على الغارب، وأعطت الحرية المطلقة للأسعار، فارتفعت وغلت بجنون، ولم تكلف خاطرها منع الاحتكار بكافة صوره وأشكاله وحيله؛ لأن المواطن يستحق أن يشتريَ بالغالي.
رفع الأسعار لم يقتصر على ذلك، فقد طال كل ما هو رخيص ليتحول إلى «غالي»، حتى العدس والفلافل والفول وبيض المزارع والزيت.
وحب الحكومة يتكرر باستمرار في فواتير الكهرباء والماء التي صارت شهرية، علما أن بعض المناطق لا تصل المياه لها سوى كل شهرين، أما ضريبتا الدخل، والمبيعات، والضريبة على الضريبة، والضريبة على البنزين، وغيرها من الضربات القاضية، فهي تعبير واقعي عن قمة العشق والدلال.
ونتيجة ارتفاع نسبة «غلاوة الإعلاميين» على الحكومة، ومن شدة حبها لهم، فهم إما مكبلون بأغلال من حرير، أو قابعون في مؤسساتهم ينتظرون رحمة القدر، بتوصية من هذا المسؤول، أو وسيلة أخرى ليكسب فيها رزقه، أما الاعتداء عليهم فلا يتم إلا في المناسبات الغالية على المواطن، كنكبة فلسطين، أو عندما يُعبِّر المواطن بطريقة سلمية للمطالبة بالمزيد من الحرية والإصلاح السياسي والاقتصادي.
الغلاوة تتعدد وتتنوع، فمن ندرة المياه في الوقت الذي يكون في المواطن بأمس الحاجة إلى قطرة ماء، وعدم نظافتها، الأمر الذي جعل المواطن يضطر لشراء الماء المقطر الغالي الثمن، إلى الزيادات الأفقية والطولية والعمودية في الضرائب الرسوم.
«الغالي للغالي»، هكذا تقول الحكومة، وعليه فإن إصرارها على أن يأكل المواطن ويشرب الأشياء الغالية مستمر، حتى إن كانت نوعيتها رديئة، المهم أن تكون غالية، فالمواطن يستحق.
ومع وصول الأمور إلى ذروتها، تصر الحكومات المتعاقبة على رفع سعر المواطن وقيمته الاقتصادية بالبحث عن مصادر دخل جديدة، وتطالبه بالتوفير، فيما تترك شركات الاتصال تسرح وتمرح دون رقيب أو حسيب، وكل ذلك تعبيرًا عن غلاء المواطن.